عماد الدين خليل
35
دراسة في السيرة
بلغ محمد صلى اللّه عليه وسلم العشرين من عمره وبدأ يسهم في تجارب قريش السياسية والعسكرية والدينية ، حيثما رأى في هذه التجارب حقا وعدلا ، رافضا - من جهة أخرى - كل تصوراتها الخاطئة ومعتقداتها الوثنية وأخلاقياتها المتهافتة الساقطة . . اشترك ، وهو في العشرين من عمره ، في حرب الفجار التي سميت كذلك لوقوعها في الأشهر الحرم ، والتي نشبت بين كنانة وقريش من جهة وبين قيس عيلان من جهة أخرى ، وكان قائد قريش وكنانة فيها حرب بن أمية الذي تمكن وسط النهار أن يتجاوز الهزيمة التي مني فيها أول الأمر وأن يحقق النصر على قيس . وكان محمد صلى اللّه عليه وسلم آنئذ ينبّل لأعمامه ويرد عنهم نبال عدوهم « 1 » . واشترك في حلف الفضول الذي تم عقده في أعقاب حرب الفجار التي يبدو أنها كانت الدافع الأساسي الذي استفز زعماء قريش لعقد هذا الحلف الذي يصفه ابن سعد بأنه « أشرف حلف كان قط » . وكان أول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب ، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم وغيرها من عشائر قريش في دار عبد اللّه بن جدعان ، فصنع لهم طعاما وتعاقدوا وتعاهدوا باللّه « لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه » كما تعاهدوا على « التأسي في المعاش » وسموا ذلك الحلف ( حلف الفضول ) . وقد قال عنه الرسول صلى اللّه عليه وسلم بعد نبوته ، وهو يسترجع ذكرياته « ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم . . ولو دعيت به - في الإسلام - لأجبت » « 2 » . وقد روى كل من المسعودي واليعقوبي « 3 » وعدد من المؤرخين أن سبب إنشاء هذا الحلف إنما كان بسبب الغبن الذي ألحقه أحد سادة قريش : العاص بن وائل السهمي برجل من اليمن ، حيث ماطله في ثمن السلعة التي اشتراها منه ، حتى يئس الرجل ، فعلا جبل أبي قبيس ونادى قريشا وهي في مجالسها حول الكعبة بشعر يصف فيه ظلامته « فمشت قريش بعضها إلى بعض . . . » . ويظهر من
--> ( 1 ) ابن هشام ص 36 ابن سعد 1 / 1 / 10 - 82 المسعودي : مروج 2 / 268 - 269 اليعقوبي 2 / 12 - 13 المقدسي 4 / 135 - 136 . 163 - 1 Caetani : Op , cit , . وانظر عن أيام الفجار بالتفصيل البلاذري : أنساب 1 / 100 - 103 وابن كثير : البداية 2 / 289 - 290 ويقرر إسرائيل ولفنسون ( تاريخ اليهود ) أن قريشا خاضت أربع فجارات كان عمر النبي صلى اللّه عليه وسلم في أولاها عشر سنين وفي آخرها أربع عشرة أو خمس عشرة سنة وانظر : درمنغم ص 55 - 59 وجواد علي ص 107 - 108 . ( 2 ) ابن سعد 1 / 1 / 82 المسعودي : مروج 2 / 270 - 271 اليعقوبي 2 / 13 - 14 المقدسي 4 / 136 - 137 ابن الأثير : الكامل 2 / 41 - 42 ابن كثير : البداية 2 / 290 - 293 . ( 3 ) المصدران السابقان ، نفس الصفحات .